السيد علي عاشور
113
موسوعة أهل البيت ( ع )
قوله : مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة ، أي كما أنّهم مؤدّبون في الحكمة كذلك مؤيّدون بالحكمة من عنده تعالى ، تدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته ، ليميز الخبيث من الطيب والحق من الباطل فلو لم يكونوا مؤيّدين بها من عنده تعالى بالحكمة أعني بالبينات والمعجزات القولية والفعلية لما يفصل بين النبيّ والمتنبّي ، قال عزّ من قائل : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ « 1 » . قوله : ثمّ ثبت ذلك - إلى آخره لما هدينا العقل بتلك المقدمات إلى هذا المطلب الأسنى ، فدلّ أنّ الأرض لا تخلو في كلّ دهر وزمان من لدن خلق البشر إلى قيام القيامة ، من حجّة إلهيّة ، ودريت أنّ الخليفة في الأوّل قبل الخليقة ، وفي الآخر بعدها لئلا يحتجّ أحد على اللّه تعالى أنّه تركه بغير حجّة للّه عليه . الحديث الخامس في الكافي بإسناده إلى منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللّه : إنّ اللّه أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون باللّه قال : صدقت . قلت : إنّ من عرف أنّ له ربّا فقد ينبغي له أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضا وسخطا ، وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلّا بوحي أو رسول ، فمن لم يأته الوحي فينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة وأنّ لهم الطاعة المفترضة ، فقلت للنّاس : أليس تعلمون أنّ رسول اللّه كان هو الحجّة من اللّه على خلقه ؟ قالوا : بلى ، قلت : فحين مضى من كان الحجة ؟ قالوا : القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرّجال بخصومته ، فعرفت أنّ القرآن لا يكون حجّة إلا بقيّم ، فما قال فيه من شيء كان حقّا فقلت لهم : من قيّم القرآن ؟ فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم ، قلت : كلّه ؟ قالوا : لا ، فلم أجد أحدا يقال : أنّه يعرف القرآن كلّه إلّا عليّا وإذا كان الشئ بين القوم فقال هذا : لا أدري وقال هذا : لا أدري وقال هذا : لا أدري وقال هذا : أنا أدري فأشهد أنّ عليّا كان قيّم القرآن ، وكانت طاعته مفروضة وكان الحجّة على النّاس بعد رسول اللّه ، وأنّ ما قال في القرآن فهو حق فقال : رحمك اللّه - إلى آخر الحديث « 2 » . بيان : هذا الحديث مشتمل على مطالب عقليّة مهّدت للزوم الحجّة على النّاس ، ما دامت الأرض باقية ، يأمرهم بالخير والصلاح ويهديهم إلى سبيل الرشاد ، ولا بد أن يكون معه علم باللّه وآياته . وتلك المطالب رتّبت على أسلوب بديع وأساس متين : الأوّل أنّ اللّه أجلّ وأكرم من أن
--> ( 1 ) سورة الحديد ، الآية : 25 . ( 2 ) الكافي : 1 / 169 ح 2 ، وعلل الشرائع : 1 / 192 .